مقالات

د. قنديل شاكر شبير نموذج فريد لشخصية الداعية الإسلامي

يعتبر العالم الدكتور قنديل شاكر شبير (أبو عمار) أحد أوفى الأوفياء لعقيدته وأمته ووطنه، وهو يشغل حيزاً واسعاً في قلبي وعقلي، ومدين له بالعديد من الأفضال كما الآلاف من أقاربه وأصدقائه وتلاميذه ومرضاه على امتداد عشرات السنين.

NabilKhaledAgha
بقلم: نبيل خالد الأغا – الدوحة

وإضافة لعلاقتي الأخوية الوثيقة به، فقد رأيت وسمعت وقرأت الكثير الكثير عن أعمال البر والخير التي اضطلع بها مما احتسبها لوجه ربه الكريم دون أن يأتي على ذكرها أو يتباهى بها، ولم يترك وسيلة من وسائل التقرب إلى الله إلا سلكها بهمة وحماس.

رفع لواء العلم والزهد والصبر منذ صباه، فمن الطعام يكفي القليل، ومن المال ما يغني عن الناس، وأيقن أن قلب المؤمن إذا أحب الله بكل جوارحه، وأدرك حكمته في صروف الحياة رأى كل ما تزخر به الدنيا أشكالاً متشابهة من اللهو والعبث، فلا الحب الحقيقي حبها، ولا الشوق شوقها، ولا العطاء عطاؤها، لا ولا الحرمان أيضاً حرمانها، إنه باختصار رجل كله (بركة) ومن أهل (الحظوة) إن شاء الله حسب التعبير الصوفي المعروف.

 

تردد ذكر اسمه على مسمعي أواسط عقد الخمسينيات من القرن الماضي، كنت يومذاك أحد الطلبة الذين يدرسون دروساً خصوصية عند أخيه الأستاذ المخضرم شكري شاكر شبير (أبو شاكر) أحد الرواد المعلمين في مدينة خان يونس.

وتندرج عائلته ضمن منظومة العائلات العريقة في قطاع غزة، وفي خان يونس تحديداً، ومشهود لأبنائها بشكل عام بالخير والصلاح، والتشبث الفطري بالدين، ووراثة عن الآباء والأجداد.

وتذكر العائلة في حيثياتها الأدبية أن جذورها الأولى تعود إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمقصود بكلمة (شُبَيْر) في كتاب الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنّة (الرجل القصير) وهو الحال الذي كان عليه الإمام علي رضي الله عنه.

وفي روايات شبر وشبير وهما الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقدم أجداد العائلة إلى فلسطين أواخر عصر المماليك، واستقروا بقرية (عورتا) بجبل نابلس، ومن ثم انتقلوا بعدئذ إلى غزة، واستقروا في خان يونس.

وبرز من أبناء العائلة عدد من كرام العلماء الذين يعود لهم فضل الريادة في تعليم وتثقيف الناس دينياً وتربوياً، واتخذ الشيخان يحيى وصالح شبير ديوان العائلة مكاناً للوعظ والإرشاد وإقامة الصلاة قبيل بناء مسجد خان يونس الكبير نهاية عقد الأربعينيات.

واشتهر الشيخ يحيى بالتقوى ومحاربة البدع، ونصرة السنة النبوية، واشترك مع الشيخين أحمد العسولي وزارع الأسطل في تأسيس مسجد أهل السنة أوائل عقد الخمسينيات من القرن الماضي(1).

أبصر قنديل نور الحياة في ضاحية (جورة اللوت) شرقي خان يونس في العام 1931. وبعد ثلاث سنوات توفي والده شاكر بن سالم شبير، فعانت الأسرة المكونة من أربع إناث وثلاثة أبناء مرارة اليتم وبؤس العيش، وتحملت والدتهم الصابرة المحتسبة حليمة شبير أعباء تربيتهم وتنشئتهم في ظروف شديدة القسوة.

أنهى قنديل دراسته الابتدائية حتى الصف السابع بتفوق لافت، فكان ترتيبه (الأول) على كافة طلاب المدرسة في المراحل كلها حسب ما ذكر صديقه وابن عمومته الدكتور رمضان شبير(2).

وبسبب عدم وجود مدرسة ثانوية في خان يونس إبان عهد الانتداب البريطاني على فلسطين (1917 ــ 1948) أكمل تعليمه في مدرسة الإمام الشافعي بغزة ونال منها شهادة (المترك) بتفوق مشفوعة بمكافأة من لدن مديرها المربي المقدسي المرحوم ممدوح الخالدي.

كانت أمنيته وذووه أن يصبح قنديل طبيباً، فتوجه إلى مصر لتحقيق هدفه بيد أن المسؤولين لم يعترفوا بشهادة المترك برغم كونها من الشهادات المرموقة عالمياً، فطلبوا منه الحصول على شهادة (التوجيهي) حسب النظام المصري ليتسنى له دراسة الطب، وتم ذلك فعلاً، فالتحق بكلية طب قصر العيني بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد). وأثناء دراسته الجامعية مارس قنديل نشاطاته الوطنية من خلال (رابطة الطلاب الفلسطينيين) بالقاهرة في العام 1950، ونتيجة للانتخابات السنوية التي جرت لاختيار الهيئة الإدارية فازت القائمة التي كانت تضمه مع ثمانية أعضاء من بينهم ياسر عرفات الذي كان يدرس الهندسة، وتم اختياره رئيساً للرابطة.

وبرز من أصدقاء الدكتور قنديل يومئذ الطلاب: أمين سليم الآغا، رضوان محمد الآغا، محمود دولة، سعيد الهليس، صلاح خلف (أبو إياد)، سليم الزعنون (أبو الأديب)، عدنان جلجولي، فؤاد حسن جبر. وبحسب المعلومات المتوافرة فقد شارك الدكتور قنديل في صياغة البيان الأول لحركة فتح، كما شارك في صياغة الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تم إلغاء بعض بنوده أثناء زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى غزة في العام 1994(3).

 

 وظلم ذوي القربى

20101019_20_2714الدكتور قنديل شبير سدد فاتورة وفائه لمعتقده ولوطنه قبيل إتمام دراسته الجامعية، حيث وجهت إليه السلطات المصرية تهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وبعد أن قضى فترة في السجن صدر قرار بفصله من الكلية وتم إبعاده مخفوراً إلى قطاع غزة الذي كان يخضع يومئذ للإدارة المصرية منذ النكبة الأولى عام 1948 وحتى النكبة الثانية عام 1967. فأثارت عودته بهذه الطريقة التعسفية حمية المواطنين، فتدخل بعض الوجهاء لدى الحاكم المصري العام الذي سمح له بمغادرة القطاع بعد أن قضى فيه ليلة واحدة فتوجه إلى بيروت بحراً فوصلها عن طريق مركب صيد متواضع ومن ثم وجد سبيله إلى بغداد ليكمل عامين في دراسة الطب ويحصل على درجة الامتياز وعامين آخرين من العمل في مستشفياتها، وارتبط في تلك الأثناء بشريكة حياته العراقية الوفية أم عمار التي تنتمي لإحدى أعرق العائلات العراقية، ثم سافر إلى بريطانيا بهدف إكمال تخصصه في الأمراض الباطنية، حيث حصل على شهادة عضوية الكلية الملكية للأطباء في العام 1962.

وبعد حصوله على هاتين الشهادتين القيمتين راوده الأمل بالعودة إلى خان يونس والاستقرار فيها، فتوجه إلى بيروت ومنها دخل قطاع غزة بالوسيلة التي غادره بها، وحاول العمل في مستشفى الشفاء بغزة لكن الجهات الأمنية المصرية اشترطت عليه التنازل عن الجنسية الأردنية واستبدالها بوثيقة السفر المصرية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين المقيمين في القطاع الغزي.

ويفصّل الدكتور رمضان الموقف بقوله: عملت بعد تخرجي مباشرة في مستشفى الشفاء بغزة، وكانت تحاك المؤامرات ضد الدكتور قنديل داخل مكتب مدير مستشفى الشفاء الدكتور شحاتة حبيب، وكنت أنقل إليه ما أسمعه عنه حتى يأخذ حذره، وكانت الإدارة المصرية بالقطاع تنتظر تنازله عن جواز سفره الأردني لتتخذ ضده الإجراءات غير القانونية.

ويواصل الدكتور رمضان حديثه المفعم بالألم قائلاً:

ذات يوم حضر إلى مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو جبل، وهو مصري الجنسية، ويعمل مستشاراً للحاكم العسكري للشؤون الصحية بالقطاع

وطلب مني أن نجلس سوياً على انفراد، وقال لي بالحرف الواحد:

يا رمضان قل لابن عمك الدكتور قنديل أن يترك قطاع غزة.

فسألته: لماذا يا دكتور جبل والدكتور قنديل ابن البلد ويريد أن يخدم شعبه، فرد الدكتور جبل قائلاً:

لأن شهادته كبيرة، والقطاع لا يحتاج لمثل هذه الشهادة، ولا تسألني أي سؤال آخر!

ولما أخبر الدكتور رمضان الرسالة الشفوية إلى الدكتور قنديل تنهد من أعمق أعماقه وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقرر المغادرة إلى بيروت على متن طائرة تابعة لهيئة الأمم المتحدة، ومنها سافر إلى عمان حيث عمل كطبيب عسكري في الجيش الاردني برتبة رائد لمدة سنتين ثم افتتح عيادة خاصة اقترن فيها العلم بالدين وكان أول طبيب اختصاصي يمارس عمله في القطاع الأردني الخاص.

 

طاقة هائلة من النشاط

20101019_20_2846جينات الذكاء والتدين والعلم انتقلت من الجذور إلى الفروع، ونال الدكتور قنديل النصيب الأوفر منها إضافة إلى مثابراته واجتهاداته الشخصية، وإني أعجب للطاقة المدهشة التي كان يعمل بها، لم تكن طاقة رجل واحد، بل طاقة مؤسسة كاملة، وحسبنا أن نسجلها في نقاط عساها تكون دافعاً قوياً لأجيالنا حاضراً ومستقبلاً.

حاز الدرجات العلمية التالية حسب ترتيبها التصاعدي: ماجستير كلية الطب ببغداد، شهادة جامعة ليفربول للطب الاستوائي، شهادات المعهد الملكي للطب بأدمبرة، ماجستير في الطب المهني التعليمي بجامعة الينوي 1980، طبيب زميل في كلية الطب بأمريكا 1998، (السيرة الذاتية وعدد صفحاتها ثماني عشرة صفحة بحجم A4)، وهو أحد مؤسسي كلية الطب في الجامعة الأردنية، وعمل مديراً لمستشفى عمان الكبير (مستشفى الجامعة حالياً) في وقت واحد ولعدة سنوات، عضو مجمع اللغة العربية لتعريب التعليم الطبي في الأردن، رئيس لجنة الدراسات العليا في المجلس الطبي الأردني، أسس المركز التعليمي لتنمية القوى البشرية في الجامعة الأردنية، قام بتأليف العديد من الكتب في المجال الطبي منها على سبيل المثال: (التدخين والسرطان) و(الأمراض المعدية) (تشريح جثة الميت لأغراض التعليم الطبي) ومؤلفات ومقالات أخرى باللغتين العربية والإنجليزية، وقام بترجمة ثلاثة كتب إلى العربية لصالح منظمة الصحة العالمية، كما نشر العديد من البحوث والمقالات في المجلات والدوريات الطبية المتخصصة العربية والعالمية. وشارك في عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية الطبية بالأردن والولايات المتحدة الأمريكية وماليزيا والسودان وسورية وتونس وبريطانيا وإيران وتنزانيا والكويت وليبيا ومصر والإمارات العربية وغيرها.

وحضر أكثر من عشر دورات في التدريب المهني في بريطانيا وأمريكا ودول عربية، وكان عضواً في العديد من الجمعيات الطبية والبحثية وعضواً في المعهد الأمريكي للأطباء وعضواً في الجمعية الدولية الكويتية الخيرية، وفي الجمعية الطبية البريطانية.

أما خارج الحياة الأكاديمية فقد كان شبير مشاركاً فعالاً في الحياتين الاجتماعية والخيرية داخل الأردن وخارجه. ولعل أبرز مشاركاته وأنجحها تجسدت في جمعية المركز الإسلامي الخيرية، وهي أكبر جمعية خيرية في الأردن وتملك نحو أربعين مركزاً للأيتام ومركزاً طبياً ومدارس ذات مستوى رفيع مثل: الأقصى والأرقم.

ومن ضمن أمنياته التي طالما رنا إلى تحقيقها إنشاء المستشفى الإسلامي بعمان، وبعد جهود مضنية وبالتعاون مع نخبة إسلامية متنفذة تحققت الأمنية وافتتح المستشفى في العام 1983، وأضحى فيما بعد منارة للعلم والتدريب والعلاج على مستوى الشرق الأوسط، وتطوع الدكتور قنديل فشغل منصب الرئيس لمجلس إدارة المستشفى مجاناً ودونما أجر أو تعويض منذ بداية تأسيسه لضمان استمراره في أداء رسالته الإنسانية وحتى العام 2003.

جدير بالذكر أن الدكتور قنديل زار خلال عقد السبعينيات الماضي ــ مع وفد أردني رفيع المستوى ــ عدة عواصم عربية خليجية حاملاً رسالة تزكية موجهة من العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال إلى ملوك وأمراء المنطقة للمساهمة في تشييد المستشفى. وتقديراً لمجهوداته الطبية منحه الحسين وسام النهضة في المجال الطبي.

ويقيني أن أبا عمار لم يسع لكسب كل هذه المناصب والمهمات، بل إن المناصب هي التي سعت إليه بهدف الإفادة من بحور علمه وسداد رأيه.

وعندما بدأ التفكير بإنشاء أول كلية للطب في الأردن في رحاب الجامعة الأردنية لم يجد رئيسها حينذاك الدكتور عبد السلام المجالي سوى المرحوم قنديل شاكر ليبدأ أول حجر أساس في هذه الكلية، فزاره في بيته حيث قبل بهذه المسؤولية العظيمة وضحى من أجلها بإغلاق عيادته التي كانت من أنجح العيادات في الأردن(4).

وذات مرة سأله أحد أصدقائه المقربين: لماذا تركت عيادتك الخاصة برغم مكاسبها المادية إذا قيست بالراتب الجامعي المحدود؟

فأجابه بثقة وقناعة تامتين:

لا تهمني المادة بقدر اهتمامي بأن يتخرج من طلابي أطباء يخافون الله في مهنتهم ومرضاهم، أريدهم أن يكونوا أطباء نافعين لأمتهم لا تجاراً جشعين

ولسان حاله يتلو قول الحق تبارك وتعالى على لسان النبي شعيب عليه السلام: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) (هود 88).

وخلال فترة عمله بكلية الطب كان (الحكيم) يجيد صناعة الطلبة بمزيج متناسق من الشدة والحب والحرص على أبنائه، وكان حريصا على متابعة أخبارهم وهم في مرحلة التخصص خارج الأردن، وكان يتصل بمن ينهي تخصصه في الولايات المتحدة هاتفيا ويحثه على العودة، ويقوم بترتيب عمل له في الأردن، مما رفد الأردن بكفاءات طبية منقطعة النظير في التخصصات الحديثة، وكان يديم القراءة في المجلات الطبية التي كان مشتركا بها على نفقته الخاصة متابعا المستجدات الطبية المختلفة(5).

واتسعت دائرة نشاطه الإنساني فشملت بعض قضايا أمته الإسلامية خارج النطاق العربي لاسيما في مجال الإغاثة والعمل الخيري في إفريقيا وأفغانستان والبوسنة والشيشان، وقد ساعده على ولوج تلك الأبواب الخيّرة عضويته الفاعلة لقيادة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولابد من الإشادة هنا بالحرية التي تمتع بها الإخوان المسلمون في الأردن في تلك الفترة.

كان شبير أحد الموقعين على النداء الذي صدر من (علماء الأمة الإسلامية وقادة الرأي) بمناسبة العدوان الأميركي على العراق في فبراير 2003 إلى جانب السادة: حسن نصر الله، أحمد ياسين، يوسف القرضاوي وسواهم.

كما أنه أحد الموقعين على (بيان العلماء والمفكرين حول جريمة اغتيال المرجع الديني محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) في الفاتح من سبتمبر 2003، إلى جانب السادة حسن نصر الله، محمد حسين فضل الله، يوسف القرضاوي، عبدالمجيد الزنداني، خالد مشعل، رائد صلاح وخلافهم.

 

نشاطاته الإنسانية في فلسطين

20101016_06_4617لطالما احترقت نفسه شوقاً للعودة إلى فلسطين، لكن المحتل الظالم حال دون تحقيق أمنيته، فبقيت همّه الشاغل، لم يستسلم، بذل لأبناء وطنه أقصى المستطاع من جهود خيرية واجتماعية وإنسانية نذكر منها: مساهماته الفاعلة في تأسيس الجامعة الإسلامية بغزة بمشاركة مؤسسيها في الخارج: الدكتور خيري حافظ الآغا (جدة)، الأستاذ الدكتور محمد أحمد صقر (عمان)، السيد سعد الدين الزميلي (عمان)، الدكتور أمين سليم الآغا (الكويت سابقاً)، الدكتور أحمد رجب عبدالمجيد (قطر سابقاً)، الدكتور رياض الزعنون (قطر سابقاً)، ومن الداخل سليمان زارع الأسطل (رحمه الله)(6).

وبحكم تخصصه الطبي عمل على تشجيع إقامة المشافي والعيادات المتخصصة بهدف النهوض بالوضع الصحي في القطاع، وساهم في تأسيس مستشفى دار السلام بخان يونس ومبرة الرحمة ومساعدة المرضى المحولين من القطاع الغزي إلى الأردن، وتقديم كافة الخدمات الممكنة لهم، ومساعدة طلاب القطاع الذين يدرسون في الجامعات والمعاهد الأردنية والعربية، التحاقاً وإقامة، وتسديد المصاريف، ودعم مكتبات القطاع بالكتب العلمية والتراثية المختلفة، وإرسال المساعدات النقدية والعينية للأسر المحتاجة عن طريق جمعية المركز الإسلامي الخيرية التي كان يتولى رئاستها إضافة إلى كفالة الأيتام والمشردين.

وواكب الدكتور قنديل الثورة الفلسطينية التي انطلقت شرارتها في العام 1965، وكان عوناً وسنداً لها في كافة النجاحات والأزمات التي مرت بها إيماناً منه بقدسية القضية، وكان الشهيد الراحل ياسر عرفات شديد الاحترام والتقدير له، وينعته بـ (الرجل العظيم).

هذا، وقد اضطلع الدكتور قنديل عليه رضوان الله بدور رئيس وفاعل في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع نخبة من رجالات الفكر الإسلامي من بينهم المحسن الكويتي المعروف المرحوم عبدالله العلي المطوع (أبو البدر) 1926 ـ 2006،  وغيره.

وسط هذا الخضم من الأعمال والأشغال، ربما يتخيل المرء أن صاحب هذه السيرة لم يكن لديه متسع من الوقت لممارسة الفكاهة والمزاح الخفيف مع خاصة جلسائه، وهذا تخيل مجافٍ للواقع، فقد شهدت العديد من تلك الجلسات، وكان رحمه الله يمتع من حوله بعذوبة حديثه وخفة روحه، وأذكر من كرام خاصته: الدكتور فضل عباس، الدكتور محمود عبيدات وأخيه الأكبر المرحوم أحمد عبيدات (أبو أنور)، السيد سعد الدين الزميلي (أبو بشير)، وأخيه العم أبي زهير، وكذلك المرحوم أحمد راتب غنيم (أبو إبراهيم) وسواهم.

 

مواقف إنسانية مؤثرة

مياه كثيرة تماوجت في البحور والأنهار العربية والدولية حالت دون لقائي مباشرة بصاحب هذه السيرة، لكن نكبة فلسطين الثانية في العام 1967 كانت سبباً في تجسيد اللقاء، وشاءت الإرادة الربانية أن يتم اللقاء في عمان وليس في خان يونس التي أنشب العدو الصهيوني أنيابه الاحتلالية المسمومة في كبدها، فكيف تم اللقاء؟

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية في القاهرة نهاية العام الحزيراني البغيض اعتمرت العاصمة الأردنية للمرة الأولى في حياتي مستأنساً برسالة توصية من أخي الأكبر الإعلامي المرحوم أحمد خالد الآغا (1937 ــ 1989) للدكتور قنديل، فأكرمني أيما إكرام، وأثناء إحدى الجلسات التالية استشرته في اختيار شريكة لحياتي، فوقع اختياره والسيدة الفاضلة أم عمار على زوجتي الحالية السيدة الكريمة وداد محمد الزميلي (أم خلدون).

وكنت قصدته في عيادته في منتصف شهر يونيه 1968 وحصلت منه على شهادة تثبت خلوي من الأمراض السارية والمعدية والعاهات المستديمة مؤرخة بتاريخ 13/6/1968م.

 

هذا.. وما برحت ذاكرتي مكتظة بمرأى ومسمع الأعداد الكثيفة من الأقرباء والأصدقاء الذين تقاطروا عليه في أعقاب الهزيمة الحزيرانية قادمين من فلسطين وخارجها، فاتحاً لهم قلبه وعيادته وبيته.

وكنت أهاتفه كلما زرت عمان قادماً إليها من الدوحة لقضاء الإجازة الصيفية، معلناً رغبتي في زيارته للسلام عليه، لكنه كان يصر أن يكون هو البادئ بالزيارة أولاً برغم فارق المسافتين العمرية والاجتماعية بيننا، مردداً عبارته الشهيرة: الزائر يزار أولاً يا نبيل.

ومن بين شمائله التي لامستها بحواسي عشقه الجارف لعمل الخير، وخير العمل كما رأينا في الصفحات الماضية، مقابل محاربته وكراهيته للآفتين البغيضتين: التدخين والسمنة المفرطة لما لهما من خطورة وبيلة على صحة الإنسان، وأشد ما كان يؤلمه انحراف مهنة الطب عن مسارها القويم، وتحولها بشكل نسبي إلى تجارة تطفح بالشره والطمع، وبرغم أن الوداعة كانت عنواناً بارزاً في حياته إلا أنه سرعان ما يتحول إلى شلال متدفق من الغضب والثورة دفاعاً عن جوهر الدين وجوهر الوطن.

أما صبره على الابتلاء فمضرب للمثل الصادق، وكنت شاهداً عياناً صيف عام 1979 حينما بلغه نبأ غرق فلذتي كبده الشابين الشهيدين عمار (16 عاماً) وأخيه صهيب (15 عاماً) أثناء سباحتهما في نهر دجلة بالعراق، وتقاطرت لتعزيته مئات الشخصيات من الأردن وفلسطين والعراق، وقد دهشت لرباطة جأشه وعمق إيمانه، فأودع الله السكينة التامة في قلبه، فعلى امتداد ثلاثة أيام شاركت خلالها في تقبل العزاء لم أره وتا الله يذرف دمعة واحدة، ولم يكن يردد إلا العبارة الإيمانية: لله ما أعطى ولله ما أخذ. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

ولست أدري حتى هذه البرهة لماذا اتصل الدكتور بأصدقائه رؤساء تحرير الصحف اليومية الأردنية وطلب منهم عدم السماح بنشر التعازي الخاصة به، وتم الالتزام بالطلب بشكل كلي!، ربما لأنه لا يريد أن يشق على أصدقائه ومحبيه.

أما أنبل فضائله التي أضحت مثلاً أعلى في الوفاء والإخلاص فتجسدت في بره بوالدته، المقربون منه والشاهدون على نهجه هذا يشيرون إلى ثلاثة مواقف في هذا الصدد: عندما فقدت والدته أسنانها في وقت متأخر من عمرها كان يطحن لها أصناف الطعام التي كانت تحبها ويطعمها بيده، وحقق لها أمنيتها التي طالما تشوقت إليها وذلك بتأديتها لفريضة الحج وحملها على ظهره في جميع مناسك الحج و في بيت المقدس، ورفض رفضاً باتاً أن يضعها على كرسي متحرك أو يعينه أحد، أما الفضيلة الثالثة التي ما انفك يؤجر عليها فتمثلت في بنائه لمسجد في ضاحية (جورة اللوت) التي ولد فيها تلبية لرغبة أمه التي لم تكن تملك شيئاً فسدد كافة التكاليف من حر ماله، وزيادة في تكريمها أطلق عليه (مسجد حليمة).

ولا شك أن هناك الكثير الكثير من أنواع البر والإحسان والخير تزخر بها صفحته المشرقة عند خالقه ولا نعلم ماهيتها.

جدنا عروة بن الورد رضي الله عنه قال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.

 

نقطة النهاية

مثلما بدأ مسيرته الطبية الأولى بافتتاح عيادة خاصة في عمان، عمد أبو عمار بعد بلوغه السن القانونية إلى فتح عيادة خاصة، وأثناء انهماكه في أداء واجبه داهمه مرض عضال أدى إلى وفاته في اليوم التاسع من شهر يناير 2005م.

وكان رحمه الله قد هيأ نفسه مادياً وروحياً لهذا اليوم الموعود، فكتب وصيته لأسرته قبيل رحيله بعدة شهور، إضافة إلى اجتهاده في أداء مختلف الطاعات، وحتى قبل مرضه كان رحمه الله قواماً بالليل صواماً بالنهار، لا يفطر إلا أيام العيدين وأيام الجمع، وأمضى حياته إما حاجاً في مواسم الحج أو معتمراً في الشهر الرمضاني الكريم من كل عام واثقاً بأن الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية.

هذا وقد رزقه الرزاق بأربعة أبناء وأربع بنات: محمد، صلاح، أحمد، عمار، إيمان, نداء، ريم، نور.

ولعل من نافلة الكتابة الإشارة إلى جنازته المهيبة التي شارك فيها مئات المشيعين من مختلف الاصول والمنابت،فوقف الجميع على اختلاف مشاربهم يودعون ذلك الانسان بقلوب واجمة،فوقف المسلم بجانب المسيحي والشيوعي بجانب الاسلامي وابن الاردن الى جانب ابن فلسطين وابن الكرك بجانب ابن اربد ، وأقيمت بيوت عزاء أمَّها خلق كثيرون في عمان وخان يونس والإمارات وقطر والقاهرة، إضافة إلى ما حفلت به وسائل الإعلام المختلفة من تعاز وإشادات.

هذا، وقد ولجت عائلته باب الصدقة الجارية فأهدت مكتبته الطبية الشخصية إلى الجامعة الأردنية التي أحبها وأخلص لها.

وانطلاقاً من مبدأ المجاهرة بالخير، واعترافاً بالفضل وحسن الصنيع أعلن عن حبي الصادق لأخي الراقد في رحاب الله قنديل شاكر شكري شبير، وأسأل الله تعالى أن يحشرني وإياه مع السفرة الكرام البررة، ويمنحني به الزلفى إليه، وسؤالي إياه جل جلاله بحسن ظني به أن يحقق لنا ولكافة المسلمين النعيم المقيم في الفردوس الأعلى من جنة النعيم.

 

مقتطفات من الوصية

أولاً: أنا قنديل شاكر شبير أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

الزوجة الكريمة أم عمار البارة حفظها الله، الأبناء والبنات البررة حفظهم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لعلي أعلم أن هذه آخر مرضة لي في هذا البرزخ الفاني، ولابد لي من أن أقوم بوضع اللمسات الأخيرة على ما أحس به.

جزاكم الله خيراً خاصة زوجتي الحبيبة أم عمار على هذه العناية التي أحاطتني بها، وأوصيكم أولاً بالعمل بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من آيات وأحاديث في رضا الوالدين، إن أمكم الكريمة هي المسؤولة عنكم وتبت في جميع أموركم فمن خالفها نال غضبها وغضب الله، ومن أطاعها أطاع الله وأرضاه، وما كُتب باسمها فهو خالص لها دون أن يشاركها فيه أحد والله يتولى الصابرين.

ثانياً: احفظوا ألسنتكم من الكلمات التي تسيء إلى بعضكم بعضاً فتنقلبوا خاسرين.

ثالثاً: إذا احتاج أحدكم إلى عون أخيه فليهب الجميع إلى مساعدته، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه.

رابعاً: احفظوا قلوبكم من الغل والحسد، واجعلوا سلامة الصدر الأساس في علاقتكم جميعاً بعضكم بعضاً.

خامساً: اجعلوا شرع الله الفاصل في كل أمر أهمّكم.

سادساً: أوصيكم بمثل ما وصّى إبراهيم عليه السلام بنيه ويعقوب: (يا بَنِيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). تمسكوا بدينكم واجعلوا تقوى الله عز وجل ورضاه نصب أعينكم عند كل نيّة وفي كل عمل، وأنشئوا أولادكم على ذلك.

سابعاً: إنني في الحياة الدنيا قد ساويت بينكم جميعاً ولم أميز أحداً عن الآخر، وقد قسمت ما أملك في الحياة الدنيا بالتساوي بينكم وبحكم الله العظيم.

وتضمنت الوصية تفصيلات ذلك.

ويقول رحمه الله في الختام:

هذه وصيتي لكم، فما زدتم عليها من خير فأنعم وأكرم، وما أمضيتم عليه من كلام الله عز وجل فذلك طيب، أمّا وإلا فلا تنقصوا مما أقول. هذا وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا من الأبناء البررة الذين يدعون لنا بالخير، ولا تنسونا من صالح دعائكم، أبوكم قنديل شاكر 2004/6/26م.

 

أزاهير الوفاء

20131202_23_4452_1* كان الدكتور قنديل شاكر زاهداً في الدنيا، يأكل من طعامها ما يقيم به أوده، ويحفظ عليه صحته وعافيته شأن العبّاد والزاهدين.

وكان بارعاً في عمله واعياً لتخصصه لا ينفك يبحث عن العلم والمعرفة الطبية في مظانها ومصادرها المختلفة، وكان حانياً على مرضاه ناصحاً لهم عطوفاً عليهم.يوسف العظم

* ذكريات خريجي كلية الطب والجامعة الأردنية لا تنتهي مع الحكيم، فقد ارتبط اسمه ارتباطاً تاماً مع كلية الطب مع أن غيره من الأطباء ساهموا أيضاً في التعليم الطبي ولكن الحكيم هو الحكيم هوأ.د.قنديل شاكر!

لقد رحل الحكيم إلى ربه، ولم ترحل الكثير من الصدقات الجارية التي تركها، ومنها تدريبه لمئات من الأطباء الأردنيين الذين تتلمذوا على يديه، فعسى أن تساهم هذه الخبرات في بناء مجتمع طبي متقدم في الأردن والدول العربية.د.بهاء الدين- ع. شبانة د.إسراء – م.عمرو-الولايات المتحدة الأميركية

* الأستاذ الدكتور قنديل شاكر.. إلى جنات الخلد إن شاء الله.. الدين.. الأمانة.. الأخلاق.. زرعتها.. فأثمرت، عملت بصمت.. ورحلت بصمت، ولكن بصماتك ستبقى، إننا نشهد أنك أديت الأمانة رحمك الله، وتقبلك في الصالحين.أبناؤك الأطباء في الولايات المتحدة

* كان المرحوم الأستاذ الدكتور قنديل شاكر مثالاً للعمل المخلص الدؤوب والتفاني في أداء الواجب لوجه الله سبحانه وتعالى.جمعية المركز الإسلامي الخيرية/عمان

* رحمك الله أستاذنا الكبير أبا عمار رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جنانه، فقد كنت معلماً من معالم الخير والعطاء، مخلصاً لقضايا أمتك ووطنك، مجاهداً محتسباً ومربياً فاضلاً، عملت لآخرتك ونحسبك قدمت على ربك وأنت تمسك صحيفتك بيمينك بيضاء ناصعة إن شاء الله، ونحسب أن فيك وفي أمثالك يتمثل قول الله تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً).

 

* نحتسب عند الله تعالى الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قنديل شاكر شبير عضو القيادة العليا للجماعة، نائب المراقب العام السابق الذي توفاه الله تعالى بعد حياة حافلة بالعمل في مجالات الدعوة إلى الله تعالى وخاصة في مجالات العمل العام الصحية والخيرية والتربوية والتعليمية، وتقديم النفع العميم للناس، وبذل الخير لأهله من خلال رئاسته للهيئة الإدارية لجمعية المركز الإسلامي الخيرية ولمجلس إدارة المستشفى الإسلامي. جماعة الإخوان المسلمين/الأردن

* الجامعة الإسلامية/غزة بكافة هيئاتها ومجالسها ورئاستها وأعضاء هيئة تدريسها وطلابها تحتسب عند الله تعالى فقيدها المؤسس الأستاذ قنديل شاكر عضو هيئة المؤسسين والمشرفين على الجامعة، وتذكر الجامعة للفقيد جهده المبارك ومساهمته الفاعلة في تأسيس الجامعة وسهره على تطورها وتقدمها.الجامعة الإسلامية/غزة

* يعتبر البروفيسور قنديل شبير أحد الأطباء البارزين في الأردن خصوصاً في مجال تأهيل الأطباء وتدريبهم، وامتاز كذلك بقوة شخصيته، ومقدرته على حسم الأمور، واتخاذ القرارات الصائبة التي أسهمت في دفع عدد من الأنشطة الخيرية لدرجة أثارت جدلاً داخل صفوف الحركة الإسلامية في الأردن.

ويقول مقربون من شبير أنه شكل نموذجاً فريداً لشخصية الداعية الإسلامي حين جمع بين أعلى مستويات العلم، وممارسة مهنة الطب، وبين العمل الخيري والإنساني والتربوي الرفيع.خدمة قدس برس/عمان

* مات قنديل شاكر الذي أراد أن يبلغ الأمنيات من خلال حركة إسلامية ناهضة، في المناخ العربي، وفي ذات اليوم، مات هشام شرابي الذي تقاذفته الآراء وسياقات البحث، والذي كان طبيعياً أن يرصد الظاهرة التي التصق بها قنديل شبير وسواه، فلسطينيان، ظل كل منهما حتى الرمق الأخير يضع إصبعه على الجراح النازفة، ويجتهد.عدلي صادق

* وهذه شهادة صديقه وزميله الدكتور منير غرايبة:

هناك بعض من جوانب تاريخ حياة الدكتور قنديل شاكر المفعم بالأحداث التي أثرت في الحياة الأكاديمية والطبية والاجتماعية للأردن وربما في مناطق خارج الأردن.وكان من بين أوائل الأطباء الاختصاصيين الذين حرصوا على إنشاء الطب الحديث في الأردن، وعندما فتح عيادته الخاصة في عمان استقطب المرضى من أنحاء الأردن فوجدوا فيه الخلق العظيم والعلم المستنير والإحسان الكبير، وفي تلك الفترة (1965 ـ 1973) أثبت المرحوم حبه للوطن وللناس بشكل عام، والمرضى بشكل خاص فعظم حبهم له مما أكسبه شعبية وتقديراً كبيراً، فقد كان إنساناً قبل أن يكون طبيباً ينظر إلى المرضى نظرة شمولية يراعي أحوالهم المعيشية والأخلاقية والنفسية والسلوكية.

وكان متواضعاً مبتعداً عن الأضواء الإعلامية والسياسية على الرغم من أنه كان في مواقع فكرية وقيادية لا يعلم أحد عنها إلا فئة قليلة، ولازالت آثاره بارزة في هذه المواقع التي لها تأثيراتها يتكلم بها عامة الناس.

ولقد ضرب أروع الأمثلة في الصبر على البلاء، لقد كان مرضه مؤلماً شديداً لكنه بقي حتى آخر الأشهر متنقلاً بين جامعة مؤتة وجامعة العلوم والتكنولوجيا حاملاً علمه صابراً على ألمه ليساهم في إرساء كليات طب على أعلى مستوى.

لقد مضى وقد وضع تصوراً متكاملاً لإنشاء كلية طب في جامعة الزرقاء ومدينة طبية في مدينة غزة.

* الشهادة الأخيرة أدلى بها زميله وصديقه الدكتور علي مشعل قال فيها:

قبل حوالي 30 عاماً، وفي مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، تلقيت اتصالاً تلفونياً نادراً من الدكتور قنديل شاكر،رحمه الله، يخبرني فيه أنه سيصل إلى جامعة الينوي في شيكاغو للتخصص العالي في مجال تعليم العلوم الطبية، منتدباً من كلية الطب في الجامعة الأردنية، حديثة العهد آنذاك. وكانت الكلية في باكورة ابتعاث أطبائها المدرسين فيها إلى معاهد العلم في الخارج للحصول على التخصصات الفرعية المختلفة.

وهنا تتجلى خصال الإحسان والفضل في شخصية الدكتور قنديل المتميزة دائماً، فغالبية زملائه في الكلية اختاروا التخصصات التي يبتعثون فيها في مجالات تفتح أمامهم الفرص العريضة في الكسب والشهرة، مثل أمراض القلب والجهاز الهضمي وغيرها، بينما يختار الدكتور قنديل تخصصاً لا يمنح كسباً ولا شهرة مهنية، وإنما يفتح آفاقاً مباركة معطاءة في خدمة المجتمع عامة، والمجتمع الطبي خاصة، سعياً لتطوير التعليم والتدريب الطبي، وتأهيل وتخريج وتربية أفواج متعاقبة من الأطباء الذين سيحملون الراية جيلاً بعد جيل. وهذا ما كان منذ ذلك الوقت وحتى نهاية حياته المهنية المديدة، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.

وفي أواخر عام 1985، كنت قد عزمت العودة إلى الأردن، وكان المستشفى الإسلامي في عمّان قد فتح أبوابه لخدمة المجتمع المحلي والإقليمي منذ عام 1982، كمؤسسة طبية خيرية غير ربحية، بعد سنوات طويلة ومضنية من التخطيط والإعداد والبناء.

وبعد لقاءات مطولة مع الدكتور قنديل وزملائه القائمين على المستشفى في سنواته الأولى تلك، اهتديت إلى ضرورة الانضمام إلى هذا الركب الخيّر المبارك.

وقد كان الدكتور قنديل حادي هذه المسيرة التي استمرت قرابة ربع قرن من الزمان بآفاقها العريضة من التطوير والبناء والتربية. ولا أنسى اللقاءات التخطيطية التي عقدناها بإدارته في أوائل عام 1986 لدراسة التعليم والتدريب والتأهيل للكوادر الطبية والتمريضية والفنية والإدارية، كان شعاره فيها، رحمه الله، بناء الإنسان المؤهل علمياً والخلوق مسلكياً والمخلص النية للتقرب إلى الله وخدمة عباده فيما منحه الله من علم وفن وخبرة.

ولم تغفل ريادة الدكتور قنديل وقيادته لمجموعة التطوير والبناء نواح هامة وذات دلالة في خدمة المجتمع في قضايا هامة مثل الاستجابة لقطاعات هذا المجتمع المبتلاة بهموم المرض وضيق ذات اليد، ولم يهمل العمل الطبي التطوعي الإغاثي استجابة لمعاناة الناس داخل هذا الوطن وخارجه في بلدان ابتليت بالكوارث الطبيعية أو التي هي من صنع الإنسان.

وقد غادر الدكتور قنديل عالم الناس إلى رحاب ربه تاركاً المستشفى الإسلامي في قمة العطاء المبارك، مركزاً طبياً علمياً متميزاً رائداً تمتزج وتتناسق في رحابه مستويات عالية من الأداء والعطاء والسلوك والخُلق الإسلامي.

ولا يفوتني أن أنوه بالروحية الخالصة وراء هذه الإنجازات والجهود في أنماط العمل التي قدمها الدكتور قنديل، رحمه الله وأرضاه، فقد كان رائده في كل ذلك إرضاء خالقه والاستعداد للقائه بالإخلاص والإحسان في كافة ما يقوم به من أعمال. ولا أنسى أن المحيطين به لم يروه، وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمان، يضع في فمه طعاماً من المستشفى. وفي المناسبات التي يدعو المستشفى فيها الزملاء الأطباء أو غيرهم لمحاضرة أو مناسبة، كان الدكتور قنديل يقف مستقبلاً الضيوف بابتسامته المعهودة على محياه، فإذا ابتدأ تناول الطعام لم نعد نراه بيننا. (7)

 

مواقف لها دلالات

عندما شعرنا بخطورة الحالة الصحية للوالد، اتصلنا بصديقه الدكتور علي مشعل، فحضر في السابعة مساء، فرحب به الوالد قائلاً: أهلاً بأخي أبي الرائد، وتجمعنا حوله وهو في النزع الأخير من حياته. كان مغمض العينين مرهقاً، وفجأة فتحهما وابتسم ابتسامة عريضة وكأنه عاد إلى مقتبل شبابه وحيويته، لكنه سرعان ما أغمضهما، ثم عاد ففتحهما وابتسم ابتسامة ثانية، وكأنه رأى مقعده في الجنة، ثم أسلم الروح وعادت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية.

كان المشهد مهيباً، ارتسمت الدهشة على وجوهنا، نظر بعضنا إلى بعض، كان الوجوم سيد الموقف، وذرفنا الدموع بسخاء، لكننا لم ندرك حينئذ أكانت دموع فرح ببشارة الجنة للحبيب الغائب الحاضر، أم دموع حزن على فراق الأب (الحكيم) أم هي مختلطة بين الحالين؟! رحمه الله. د. صيدلي صلاح قنديل شبير

 

ـ رأى القائمون في مجلس إدارة المستشفى الإسلامي أنهم بحاجة إلى صيدلاني للعمل في المستشفى، فرشحوا اسم ابنه صلاح الدين الذي تخرج لتوه من الجامعة، ولما علم مدير المستشفى الدكتور قنديل بالخبر اتصل بابنه هاتفياً وقال له: (ما بيزبط يا صلاح نكون اثنين في المستشفى). ورفض حتى مجرد تقديم الطلب!

ـ بعد تخرجه في كلية الطب احتاج ابنه محمد للتدريب العملي في المستشفى الإسلامي الذي كان يصرف راتباً شهرياً لكل متدرب، لكن الدكتور قنديل رفض رفضاً قاطعاً صرف أي راتب لابنه من ميزانية المستشفى، بل عمد إلى عكس الصورة، ودفع قيمة المكافأة من حر ماله إلى خزينة المستشفى مقابل تدريب ابنه محمد!

ـ ذات مرة جاءته في مصحته الخاصة مريضة من خان يونس تعاني من مرض ما، فوجد أن وزنها يزيد نحو عشرين كيلوغراماً عن معدله الاعتيادي، فأخبرها بأن هذه السمنة المفرطة من أهم أسباب مرضها، وإذا أرادت لنفسها شفاء فعليها التخلص من زيادة وزنها.

ولكي يقرب إليها الصورة بوضوح، أتاها بمثل مستمد من بيئتها قائلاً لها: تصوري أنك تحملين صفيحة زيت زيتون على ظهرك دائماً.. هل تشعرين بالراحة أم بالتعب؟ لابد يا (حاجة) أن تتخلصي من صفيحة الزيت أولاً، وأهلاً بك بعدئذ في أي وقت. ودعا لها بالشفاء.

هذا وقد أنشأت إدارة المستشفى الإسلامي نهاية العام 2009م “مركز الدكتور قنديل شاكر الجراحي” تقديراً لدوره الفاعل في تأسيس المستشفى والعمل به وخدمة مرضاه.

 

رجاء ثانٍ إلى سعادة رئيس بلدية خان يونس

أخي الكريم الأستاذ محمد عبد الخالق الفرا رئيس بلدية خان يونس يحفظك الله تعالى، تحية مودة وبعد:

كنت قد نشرت مقالاً في موقعي آل الآغا وآل الفرا على الشبكة العنكبوتية في شهر يونيه 2009، بعنوان: الدكتور محمد الفرا.. سفير الكلمة المضيئة، ووجهت إليكم في نهايته رجاء بالموافقة على إطلاق أسماء خمس شخصيات مرموقة من أبناء مدينتنا الغالية (خان يونس) على بعض معالم المدينة، ولم يبلغني حتى اللحظة رد على رجائي سواء بالقبول أو بالرفض، وهأنذا أتوجه إليكم بالرجاء الثاني مكرراً الأسماء المقترحة لهذه الشخصيات: الدكتور محمد حسين الفرا، المناضل سفيان عبدالله الآغا (مجيد)، الدكتور قنديل شاكر شبير، الشهيد الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، المؤرخ الدكتور سلمان أبو سته، الله تعالى من وراء القصد، وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل. وتقبلوا تحياتنا القلبية.

 

مخلصكم:
نبيل خالد نعمان الأغا
(أبو خلدون)

الدوحة – قطر

yaseragha

ياسر محمد عودة الأغا خان يونس رئيس دائرة التدريب والتطوير في مجلس عائلات خان يونس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى